بسم الله الرحمن الرحیم

کتاب علی و الحاكمون لآیة الله العظمی محمد الصادقی الطهرانی

صفحة330 إلی 350

بمناسبة ولادة الإمام علی أمیر المومنین علیه آلاف السلام

کتاب علی و الحاكمون لآیة الله العظمی محمد الصادقی الطهرانی

طلیعة الدولة الإسلامیة و وزارة المالیة

طلیعة الدولة الإسلامیة

Download the hole book

یقوم زعیم هذه الدولة الغراء حینما شلَّت أركان الحكومة والأمة، وتفسخت أوصالها، حینما ضعفت رجالها عن القیام بحقها وإقامة الدین بصمیمه فی مرماها، خیفةً من استبداد الحكومة، كما نفت أباذرها ورضت جثمان آخرین رغم قیامهم فی مجابهة الظلم.

تتطلع هذه الشمس المنیرة وتطلع حینما تقبع واختبى‏ء الحاكم والمحكوم: تقبع الشیخان تحت ستار التراب واختبیا وخمل ذكرهما إلا بغیر الصواب، وتقبعَّ شیخ امیة بالثورة القاضیة، واختبت الأمة برجالاتها الحاضرین عن القیام بالقیادة عجزاً وقصوراً.

وینطق ذیاك الناطق بصمیم الحق والصواب حین تمتنع متكلموا الأمة فی أمور العامة عن الكلام وتخرَّس عن التدخُّل فی هذا الأمر الهام.

ویمشی ویمضی بنور اللَّه الذی هباه لإیمانه وشدة وطأته وتنمّره فی ذات اللَّه فیسیر بالأمة إلى الصواب، حین وقفوا عن الحراك لظلام ذلك الجو، وعمایة السائرین، حیث الآفاق أغامت والمحجة قد تنكرت.

یمضی ویمشی بالأمة رویداً سیراً سریعاً إلى مسیرة المقدس، من ذا؟ من:كان قبل ذاك، أخفض الأمة صوتا، دونما جهر بالخلاف على مغتصبی الخلافة أو تحرُّض للقضاء علیهم، ودونما أیة غوغاء وضوضاء، أو جزع طیلة ربع قرن وهو:

أعلى الأمة فوتاً، حیث لم یفت من الأمة فی هذه الأیام المظلمة، ما فات الإمام من خلافته مقاماً ومن فدك فاطمة مالًا ومن ومن ...!

أجل: یقوم بالأمر حینذاك متطلعاً ناطقاً ماضیاً بنور اللَّه، یطیر بجناحی العلم والإیمان بالخلافة، دونما أیة وقفة أو فتور، یسیر بها سیراً زائداً نحو الإصلاح، یجبر به الوقفات والرجعات السوداء الغابرة، ویستبد ویستقل برهان الخلافة فی شتى میادین رهانها، فیؤسس حكومة عادلة لم تك تعدوا الخیال، تلك المدینة الفاضلة التی لا تماثلها أیة دولة فی القرون الخالیة والآتیة، إلا دولة المهدی الثانی عشر من العترة الهادیة علیهم السلام.

أجل یستبد ذلك الحاكم المغوار بالحكومة العادلة إستبداد ربه ورسوله بها، بما أراه اللَّه، كالجبل الراسخ لا تحركه القواصف ولا تزیله العواصف.

ذاك وذیاك الطامات الكبرى فی تلك الحكومة العادلة، التی قلبت الأمور ظهراً لبطن، تصلحها وترجعها إلى ما بدءت به فی الحكومة المحمدیة صلى الله علیه و آله و سلم ولم یكن فی ذلك القائد العدل لأحد مهمز ووقیعة یعیبه بها، ولا مغمز!

برامج الحكومة للعزیز والضعیف:

فلا عزة ولا قوة فی هذه الدولة العادلة الا للحق ولا ذلة ولا ضعف الا للباطل‏ اذ لا یحكم فیها حاكم الأثرة الظالمة، ولا استئثار فیها بالأموال والسلاح والجبروت والسیف والنار، وإنما الحاكم فیها هو اللَّه بعدله وفضله وقضائه الصالح، یمثله الإمام فی دولته علیه السلام تمثیلًا ثانیاً بعد الرسول صلى الله علیه و آله و سلم فعجوزة مقعدة دمیمة وهی بین الحیوة والموت، لا مال لها ولا جمال ولا أهل ولا أیة قوة أو ناصر وعاذر- وقد غصب حقها وظلمت فی شی‏ءٍ یسیر من مالها- هذه المرأة عزیزة قویة فی حكم الإمام حتى یأخذ بحقها.

فی حین أن رجلًا شجاعاً قویاً ملیاً من المال والأهل والعشیرة، وهو فی حظیرة القدرة والجبروت، وقد أخذ شیئاً من حق تلك العجوزة، ذلك الجبار ذلیل ضعیف فی حكومة الإمام علیه السلام حتى یأخذ الحق منه.

«رضینا عن اللَّه قضائه وسلمنا للَّه‏أمره».

فلا ترضى هذه الحكومة الا قضاء اللَّه، ولا تسلم إلا لأمره، مهما بلغت به الأمور حتى تستسلم لأمر ربه مجیبة دعوته إلى جواره.

الظلم فی مذهب الإمام كفر والانظلام هوان وتقویة للكفر!

ومن ذكریات ذلك:

1- یقول للحسن والحسین حینما یوصیهما بوصیة الهامة:

وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً

... خذوا على ید الظالم السفیه بكل قدرة، حیث إن مقاومة الظالم حق مشروع للناس، وخلِّصوا المظلومین الضعفاء عن أیدی هؤلآء الظلمة الطغاة، إذا لا

علی و الحاكمون، ص: 333

یقدرون على التخلص، دونما عون ونصیر.

2- یقول لممثل الحكومة فی بعض الأقطار الإسلامیة:

إستعمل العدل واحذر العسف والحیف، فإن العسْف یعود بالجلاء والحیف یدعو إلى السیف!

یعنی الإمام علیه السلام هنا وهناك النزوع بالمظلومین إلى القتال، لإنقاذ أنفسهم، ومن هذا الباب قوله علیه السلام مخاطباً من وقع علیهم الظلم وظُلموا ساكتین:

3- ألا تسخطون وتنقمون أن یتولى علیكم السفهاء الظالمون، فتُعَمُّوا بالذل وتقروا بالخسف، ویكون نصیبكم الخسران!

وكذلك یقرر مثل هذا الحق فی أقوال اخر كالتالیة:

4- ألا إن لكل دم ثائراً ولكل حق طالباً.

5- ردوا الحجر من حیث جاء!

وهذه كنایة عن مقابلة الشر بالشر، ما لم ینفع الحِلم إلا ازدیاد قوة وجرأة للظالم، فمن یستسلم للظالم وهو یقدر على الأخذ بحقه منه فقد ترك حقاً شخصیاً ونعمة أنعمها ربه علیه، هی تقویته على الأخذ بحقه.

وضیع حقاً ثانیاً جماعیاً حیث قوى الظالم بانظلامه على ظلم غیره، فلیَجْبَه المظلوم الظالم بما فی إمكانه، ولو بلفظة قول، أو تظلم عند من یرجو عونه ونصرته، أو بفضیحة الظالم جهاراً، ویقول اللَّه تعالى «لا یحب اللَّه الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم» ..

6- الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللَّه.

7- من قضى حق من لا یقضی حقه فقد عبده.

8- لقد مكَّنكم الظلمة من منزلتكم، وأیم اللَّه لو فرقوكم تحت كل كوكب لجمعكم اللَّه لشر یوم لهم.

9- لئن امهل الظالم فلن یفوت اخذه.

... أجل إن الإمام یؤمن بحق المظلوم بقتال الظالم والقضاء علیه، حتى ولو تفرق الظالمون فی أرجاء الأرض، ویمعن فی ایقاظ حمیة المظلوم وإیقاذ نخوته للدفاع عن حقه بهذه المقالات المنیرة.

إن مذهب علی علیه السلام ألا یصبر المظلوم على كِظَّة الظالم، فإن هذا ایضا ظلم من ناحیة أخرى من المظلوم هی تقویة الظالم وتشجیعه على تخلیده والإكثار من ظلمه، وهذا معنى:

10- الظالم والمظلوم كلاهما فی النار .. القاتل والمقتول كلاهما فی النار ...

إن الإمام علیه السلام یمكِّن فكرة مقاومة الظلم فی النفوس تمكیناً شدیداً، إذ یجاوب فی الناس روح الجزع من المصیر إذا هم فشلوا فی دفع الظلم ومقاومة الجور، قائلًا:

11- بقیة السیف أبقى عدداً وأكثرهم ولداً.

یعنی بذلك: أن الذین یقاومون الظلم بحقهم فیُقتل أكثرهم، یكون الباقون منهم شرفاء، ویعیشون فی كرامة أنفسهم وحفظ حقوقهم، فإذا بعددهم أبقى وبأولادهم أكثر .. بخلاف الاذلّاء الذین یُظلمون فیرضون بالظلم والذل والهوان، فان مصیرهم إلى المحو والفناء جمیعاً، بل هم بَدَدٌ على بقائهم، وأموات على حیاتهم، فلیست الحیوة فی الذل حیوة الأحرار ... وعلى أیة حال فإن مقال الإمام فی كل حال:

12- لنا حق فإن اعطیناه، وإلا ركبنا إلیه أعجاز الإبل وإن طال السرى.

ثم یُوغل فی هذا المعنى فیجعل مقاومة الظلم فرضاً على الناس، لا حقاً لهم یجوز لهم تركه، قائلًا:

13- العامل بالظلم والمعین علیه والراضی به شركاء ثلاثة، و:

14- رحم اللَّه امرءً رأى جوراً فرده.

أجل إن حیاة الإمام وحكومته كلها سلسلة معارك فی سبیل نجاة المظلومین والمستضعفین، وانتصار دائم للشعب، دون من یریدونه إنتاجاً لهم وحرزاً من السادة الأقویاء، ورثة الأمجاد الجاهلیة!!!

وبدایة الأمر ونهایته فی هذه الحكومة أنها: ملجأ المظلومین!

ومن ذكریاته قول الإمام علیه السلام:

... ارفعوا إلیَّ مظالمكم ...

... یوم المظلوم على الظالم أشد من یوم الظالم على المظلوم ...

... ویوم العدل على الظالم أشد من الجور على المظلوم ...

... وظلم الضعیف أفحش الظلم ...

... لا تَظلم كما لا تحب أن تُظلم ...

... واللَّه لئن أبیت على حَسَك السعدان مسهَّداً «1» واجَر فی الأغلال مصفَّداً «2» أحب

______________________________
(1) الحسك الشوك والسعدان نبت ترعاه الإبل له شوك والمسهَّد المسهر

(2) مصفدا أی مقیداً وكل هذه الجملات الجمیلة هی من نهج البلاغة باب مختصرات كلماته علیه السلام‏

علی و الحاكمون، ص: 336

إلی من أن القى اللَّه ورسوله یوم القیامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشی‏ءٍ من الحطام، وكیف اظلم أحداً لنفس یسرع إلى البلى قفولها، ویطول فی الثرى حلولها ...

ضرورة إنقاذ المظلومین‏

لقد استعان المستعمرون بعملائهم فی بلادنا الإسلامیة من أجل تنفیذ مآربهم الإقتصادیة الجائرة، ونتج عن ذلك وجود الملائین من الجیاع یفتقدون أبسط الوسائل الصحیة والثقافیة، وِجاه اقلیة ذات ثراءٍ ونهمة وفساد عریض، والجیاع من الناس فی كفاح مستمر بُغیة تحسین أوضاعهم وتخلیص أنفسهم من وطأة جور حكامهم المعتدین، إلا أن الأقلیات الحاكمة وأجهزتها الحكومیة هی الأخرى تسعى إلى إخماد هذا الكفاح، ولكننا مكلفون بإنقاذ المحرومین المظلومین، وعلماءُ الإسلام مكلفون بمناضلة الظالمین والقضاء علیهم.

معونة الظالمین! ..

ولقد بلغ معونة الظالم فی المعاصی إلى حد لا یدانیه شی‏ءٌ، وقد یقرر الإسلام أن عون الظالم ظلم، لیس فی ظلمه فحسب بل:

إن عونه فی شی‏ءٍ من أمره ظلم، وان كان مباحاً أو راجحاً ذاتیاً.

بل: ومن بنى لظالم مسجداً أولاق له دواةً أو شاركه ولو فی أیة طاعة!! لماذا؟

لكی لا یكسب الظالم بذلك وجاهة زائدة لدى الجماعات، ویتستر بما یختلس من حقوق وأموال الشعب، یلقی بذلك سدلًا على جوره، ویتمثل بمثال الأتقیاء الدینین. لذلك إن الإسلام لا یبیح التولی عن الجائر إلا فیما لیس له وجاهة وتقویة، وإنما یهدف فی التولی عنه نصرة المظلومین والقضاء على الظالمین، ولا یسمح نصرة الظالم والدخول فی جمعه وإن كان فیما یندب إلیه الإسلام.

فالظالم إذا بنى مسجداً، أو أقام مأتما دینیا، أو حج بیت اللَّه الحرام، أو نشر المصحف الشریف أو فعل أمثال ذى وذیاك، حینذاك لیس لمسلم حر، أن یدخل فی مأتمه أو یحج معه البیت، أو یأخذ مصحفه.

... فالشریعة المقدسة الإسلامیة إنما یستهدف بهذه الأنظمة العادلة القضاء على الظلم والظالمین، ومجابهتهم بكل قوة وقدرة، كی لا یتقووا ویكثروا فیدمِّروا البلاد بمن علیها ویأكلوا الرعیة بمالَها ..!!

الإمام یعادی الظلم أشد العداء، لأنه .. ولانه ذاقه أكثر من كل أحد!

أقوى الأقویاء وأشد المظلومین:

بینا الإمام علیه السلام بین بدئه وعوده عون للمظلومین وهو عدوللظالمین، فإذا یصبح أشد المظلومین، ومن ذكریاته ما یقول علیه السلام.

1- «ما رأیت منذ بعث اللَّه محمداً رخاءً، فالحمد للَّه، ولقد خفت صغیراً وجاهدت كبیراً، أقاتل المشركین وأعادی المنافقین حتى قبض اللَّه نبیه فكانت الطامة الكبرى، فلم أزل محاذرا وجِلًا، أخاف أن یكون ما لا یسعنی فیه المقام، فلم أر بحمد اللَّه خیراً حتى مات عمر، فكانت أشیاءٌ ففعل اللَّه ما شاء ثم أصیب فلان فما زلت بعد فیما ترون دائبا أضرب بسیفی صبیاً حتى كنت شیخاً!-

2- ما زلت مظلوما منذ كنت!

قیل له علیه السلام عرفنا ظلمك فی كبرك فما ظلمك فی صغرك؟-

فذكر: أن عقیلًا كان به رمد فكان لا یذرهما حتى یبدأوا بی» «1».

یُظلم فی صغره .. ویظلم فی كبره، یظلمه الخلفاء ومناوئوه لا فحسب بل:

ویظلمه رعیته أیضاً وكما یقول علیه السلام: «.. اما والذى نفسی بیده لیظهرن هؤلآء القوم علیكم، لیس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقی.

3- ویقول: «ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعیتی، أستنفركم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجیبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، أشهود كغُیَّاب وعبید كأرباب؟! أتلو علیكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها، وأحثُّكم على جهاد أهل البغی فما آتی على آخر القول حتى أراكم متفرقین أیادی سبا، ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم، أقوِّمكم غدوةً وترجعون الی عشیة كظهر الحیة، عجز المقوِّم وأعضل المقوَّم، أیها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عقولهم المختلفة، المبتلى بهم أمرائهم، صاحبكم یطیع اللَّه وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام یعصی اللَّه وهم یطیعونه، لوددت واللَّه أن معاویة صار فنی بكم صرف الدینار بالدرهم، فأخذ منی عشرة منكم وأعطانی رجلًا منهم» «2»! ...

______________________________
(1) مناقب آل أبی طالب فی حدیث عمروبن حریث.

(2) الخطبة 93 ص 188- النهج عبده.

علی و الحاكمون، ص: 339

... ویقول كهذه المقالة فی مواضیع شتى لیس المقام یناسب تفصیلها.

4- ومن ذاك فی نكث طلحة والزبیر: «... اللّهم إنهما قطعانی وظلمانی ونكثا بیعتی فاحلل ما عقداً، ولا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المسائة فیما أملا وعمِلا، ولقد استثبتهما قبل القتال واستأنیت بهما أمام الوقاع، فغمط النعمة ورد العافیة (النهج)!!

5- ومما یشكوا فیه مظالم قریش: قوله علیه السلام «اللهم إنی استعدیك على قریش فإنهم ظلمونی فی الحجر والمدر» (البحار ج 41 ص 51).

الحكومة العلویة تعدل فی الحاضر وتصلح الآتی والغابر:

إن الإمام لا یكتفی برد الظلم فی حكومته فحسب، بل یرده وإن كان فی الأیام الخالیة، كأیام خلیفة أمیة، وحینذاك یقوم قائلًا:

«ألا إن كل قطیعة أقطعها عثمان وكلما أعطاه من مال اللَّه، فهو مردود فی بیت المال، فإن الحق لا یبطله شی‏ءٌ، ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق فی البلدان لرددته، فإن العدل فی سعة، ومن ضاق علیه الحق فالجور علیه أضیق».

إن الإمام لیراعی فی حكومته حتى البهائم، فكیف بالناس، ومن مقالاته المنیرة فی ذلك:

«... إن اللَّه تعالى أنزل كتاباً هادیاً بین فیه الخیر والشر، خذوا نهج الخیر تهتدوا، وأصدفوا عن سمت الشر تقصدوا، الفرائض أدوها إلى اللَّه تؤدكم إلى الجنة، إن اللَّه حرم حراماً غیر مجهول، وأحل حلالًا غیر مدخول، وفضَّل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحید حقوق المسلمین فی معاقدها، فالمسلم‏ من سلم المسلمون من لسانه ویده إلا بالحق، ولا یحل أذىً إلا بما یجب‏ «1»، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم وهو الموت، فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم، تخففوا تلحقوا، فإنما ینتظر بأولكم آخركم، إتقوا اللَّه فی عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم!!

وأطیعوا اللَّه ولا تعصوه، وإذا رأیتم الخیر فخذوا به وإذا رأیتم الشر فأعرضوا عنه‏ «2».

... أجل إنه لیرعى حتى البهائم ... وكیف یقاس بمن لا یراعی حق المسلمین الأبریاء، أو حق الإنسانیة كیفما كانت، وإن كانوا لیعلنون بألفاظ مثل: حمایة الحیوانات! ... أو یحمون حیوانات خاصة، فی حین أنهم لا یرون للإنسانیة وللمسلمین مكانة وشأناً.

یرحمون ویحمون الكلاب، ولا یذودون عن حمى الفقراء والضعفاء، بل ویقضون علیهم، قضى اللَّه علیهم وأخذهم اخذ عزیز مقتدر.

برنامج آخر فی هذه الحكومة:

كما أن الإمام لم یكن لیتولى أمر المسلمین بالخدیعة، ولا لینتصر لحقه بالباطل، فهو كذلك الآن- وقد تم له الأمر لا یقنطر الباطل لتركیز قواعد عرش الحكم، ولا فی لفظة قول أو سكوت عن حق أو بذل درهم فی غیر حقه أو مداهنة مع الظالمین‏ الأقویاء،

______________________________
(1) كظروف الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر إذا اقتضیا أذاه.

(2) النهج ج 2 الخطبة 162 ص 97.

علی و الحاكمون، ص: 341

كی یوافقوه فی الحكم اولا یثوروا علیه ویزاحموه، ومن مقالاته النیرة هنا:

اتأمرونی أن أطلب النصر بالجور؟!

یقولها حینما یعاتَب على التسویة فی العطاء، وأن الأنسب لتركیز الحكم بین الناس إقناع وأرضاء الوجوه الأقویاء، ذوی الأقدار والشؤون فی الشعب، فینبثق قائلًا: «أتأمرونّی أن أطلب النصر بالجور فیمن ولیت علیه؟! واللَّه ما أطور به ما سمر سمیر وما امَّ نجم فی السماء نجماً، لو كان المال لی لسویت بینهم فكیف! وانما المال مال اللَّه، ألا وإن إعطاء المال فی غیر حقه تبذیر وإسراف، وهو یرفع صاحبه فی الدنیا ویضعه فی الاخرة ویكرمه فی الناس ویهینه عند اللَّه، ولم یضع امرءٌ ماله فی غیر حقه ولا عند غیر أهله إلا حرمه اللَّه شكرهم، وكان لغیره ودهم فإن زلت به النعل یوماً فاحتاج إلى معونتهم فشر خدین وألأم خلیل» «1».

التسویة فی العطاء:

وهذه من البرامج الثابتة للإمام علیه السلام طوال حكمه، وما أم نجمه فی سماء الشعب:

أنه لا فضل لأحد على أحد فی بیت المال بهجرة ولا نصرة، ولا صحبة الرسول صلى الله علیه و آله و سلم، فضلا عن أن یستأثر أحداً بالأثرات الجاهلیة من القوة والعشیرة، كما یقول:

______________________________
(1) الخطبة 122 ص 10 ج 2 النهج عبده‏

علی و الحاكمون، ص: 342

«أیها الناس! ألا لا یقولن رجال منكم غداً: قد غمرتهم الدنیا فامتلكوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخیل، واتخذوا الوصائف المرفقة، إذا ما منعتهم ما كانوا یخوضون فیه، وأخرتهم إلى حقوقهم التی تعلمون، یقولون: حرمنا ابن أبی طالب حقوقنا! ألا وأیما رجل من المهاجرین والأنصار من أصحاب رسول اللَّه صلى الله علیه و آله و سلم یرى أن الفضل له على سواه بصحبته، فان الفضل غداً عند اللَّه، فأنتم عباد اللَّه والمال مال اللَّه یقسم بینكم بالسویة ولا فضل لأحد على أحد»!.

اجل إن الفضل فی التقوى، وصحبة الرسول إنما یفضِّل المكانة عند اللَّه فی الیوم الآخر، وعند أهل الدین فی الحرمة والعزة، لا فی بیت المال حیث لا یرتبط لا بالقوت ولا حكم فیه إلا القسم بالسویة.

وهذا الأسلوب وأشباهه، الذی یلجأ إلیه الإمام فی التسویة بین الناس جمیعاً فی الحقوق العامة، هو الدافع الأول الذی حمل أولئك الوجهاء المترفین على ترك الإمام علیه السلام والإلتحاق بابن أبی سفیان، وبثِّ العرقلات الجاهلة علیه، فان علیاً علیه السلام لا یكاد یستمیل أحداً بمال الأمة، ولا یصانع الرؤساء وزعماء القبائل كما كان یفعله ابن هند.

فإذا لیس الإمام علیه السلام ممن یركِّز قواعد عرش حكمه بالتفضیل فی العطاء من بیت مال المسلمین ثم یعتذر ویختلق وجوهاً شرعیة فی ذلك، أن هذه أموال المسلمین، فلتصرف فی صلاحهم، ومنه تقویة هذه الحكومة العادلة- كلا- إن الإمام علیه السلام یحكم لیعدل فكیف یقنطر الظلم لعدله؟

أجل إن الحكومة العلویة لا تسایر الظلم ولا الظالمین تحت أی ستار وإعتذار وأی عنوان ثانوی كما یفعله أشباه العلماء حفاظاً على اعتباراتهم الشخصیة والجماعیة.

اجتمع علیه مرة كبار المهاجرین، وفیهم وعلى رأسهم طلحة والزبیر، یریدون إقناعه بمسایرة معاویة الطاغیة إلى أن یستتب له الأمر فیخلعه على یسر وعافیة، فخالفهم جمیعاً مترفعا عن الحیلة والموآربة.

وقد جاءه المغیرة بن شعبة بعد مبایعته بالخلافة، وهو من ذوی الحَنَكة والحیلة والتدبیر، فقال له: إن لك حق الطاعة والنصیحة، وان الرأی الیوم تحرز به ما فی غد، وإن الضیاع الیوم یضیع به ما فی غد، أقرر معاویة على عمله، وأقرر ابن عامر على عمله، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا اتتك طاعتهم وبیعة جنودهم، استبدلت أو تركت، فمكث الإمام غیر بعید، ثم أعلن عن إبائه الحیلة والخدیعة ولو لتركیز قواعد حكمه الحق فقال: لا أداهن فی دینى ولا أعطی الدنیَّة فی أمری!

ثم لما ظهرت حیلة معاویة الطاغیة بمكائده الفاتكة وقد زعم أنه أدهى منه علیه السلام حینذاك یقول:

واللَّه ما معاویة بأدهى منى، ولكنه یغدر ویفجر، ولولا كراهیة الغدر لكنت من أدهى الناس»!

أجل كیف یرضى الإمام بقاءَ عمال الخلیفة الأموی عثمان على أعمالهم إلى حین ولو لساعة، وهم من یعرفهم، وعلى رأسهم معاویة، وقد أضمروا العداء على الإسلام قدیماً، وكانوا یتحیَّنون الفُرَص للقضاء علیه، فكیف یثبتهم! وما یصنع بخلافة تقوم على قواعد ظالمة، مثل معاویة وابن عامر ومن الیهم من الطغاة اللئام؟

أمسایرة للظالم وتثبیتا للظلم بُغیة تبدیده؟!

إن الإمام علیه السلام فی حكومته الغراء إنما یقبض یده على الدین دون افراط بشی‏ء منه قیدَ شعرة، فی تألیف القلوب النافرة، فینقض أقوى المنافقین شكیمة:

معاویة، عن إمارة الشام، فناصَبه هو ومن على شاكلته العداء وظاهروا علیه.

وأما معاویة أخو عثمان- الطاغیتان- فقد فتح بیت المال على مصراعیه، وراح یغدقه على المنافقین لیلتفُّوا حوله، وعلى الضعفاء لیستمروا مع القواعد، لا إلیه ولا إلى مناجزته، ولعمری إن هذا هو أسّ البلاء الأول الذی مكَّن الذل من رقاب المسلمین، وسنَّ لهم إلى ما هم على هذه الشاكلة: الجبن عن نصرة الحق، والتضحیة فی سبیله، والإستخذاء لدعاة الباطل، والتقهقر بین یدیه عن ثائر نبیهم والإعتصام بكتابهم والثبات على دینهم.

تلك هی ثمرة الشجرة الملعونة التی غرسها أبو سفیان، وغذاها الشیخان وقواها عثمان بتسامحه وضعفه وسوء تدبیره، ثم استغلها معاویة لهواه، وساعده على ذلك الإستغلال نفاق فریق وضعف آخرین!!


 وزارته المالیه و عدله